ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

133

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

خوارا ، وأن زئيرهم قد انقلب خوارا ؛ أذعنت أيديهم باستسلامها ، وصانعت بالمال عن الرقاب واسترقاقها ، وبالبلد عن النفوس وحمامها ، فأبى السيف أن يترك رقابا تغذي بأكلها ، ويحل من عشقها على مداومة وصلها ، وذكر الخادم أنّ سلف هؤلاء انتزاع هذا البلد قسرا ، وفتك بمن كان به من المسلمين غدرا ، وذلك ثأر ذخره اللّه لك حتى تحظى في الآخرة بثوابه ، وتتجمل في الدنيا بزينة أثوابه ، والمسلم أخو المسلم يأخذ بدمه ، وإن تطاولت أمداد السنين على قدمه ، فيا بعد عهد هذا الثأر من ثائره ، ويا طيب خبره عند سامعه وحسن أثره عند ناظره ، ولما تحقق العزم على ذلك أشار ذوو الرأي بقبول الفدية المبذولة ، وألا يحمل العدو على ما ليست نفسه عليه بمحمولة ، فإن النقد إذا أخرج صار ذا أنياب وأظفار ، واستضرى حتى يلتحق بالسباع الضّوار ، وهؤلاء إذا رأوا عين القتل تجردوا للقتال ، وركبوا الأهوال للنجاة من الأهوال ، ومن يدع إلى خطة رشد فليقبلها ، ومن أنشط له عقل الأمور فلا يعقلها ، وعلى كل حال فإن الفدية للمسلمين أرغب ، وأموال يتقوّى بها على العدو خير من دماء تذهب ، هذا ، وبالبلد من أسارى المسلمين من حياة أحدهم بحياة كل نفس ، ومن حرمته عند اللّه مما طلعت عليه الشمس ، ولا يوازى فتحه عنوة أن يتعدى إليهم أضراره ، ولا شك أنهم يعاجلون بالقتل قبل أن تدخل أقطاره ، فرأى الخادم عند ذلك أن الرأي مشترك ، وأن له معتركا كما أن السيف له معترك ، وتقرر تسليم البلد ودموع أهله قد خضبت أحداقها وأقرحت آماقها ولم تطب أنفسهم بفراق قمامه حتى كادت الهام تفارق أعناقها ، فعلى حب ذلك التراب تقوم قيامتهم ، وتشيل نعامتهم ، ولطالما ابتهلوا عنده أيام الحصار ، واستنصروه فلم يحظوا منه بمعونة الانتصار ، وكيف يرجى النصر من معبود تقر شيعته بقتله ، أم كيف يدفع عن غيره من كان هو مبتلى بمثله ، وهذه عقول سخيفة نفذ فيها كيد شيطانها ، وأخفى عنها محجة الحق على وضوح بيانها ، ولقد كان يوم التسليم عريض الفخار ، زائد العمر على عمر أبويه من الليل والنهار ، واشتق من اسمه معنى السلامة للمسلمين والهلاك للكفار ، وزاده فخرا إلى فخره أنه وافق اليوم المسفر عن ليلة المعراج النبوي الذي كان في تلك الأرض موعده ومن صخرتها مصعده ، وذلك هو الإسراء الذي ركب إليه ظهر البراق ، واستفتح له أبواب السبع الطّباق ، ولقي فيه الأنبياء على اختلاف درجاتهم فظفر خير ملقى بخير لاق ، وبركة ذلك اليوم سرت إلى هذا